الحياة بعد الموت

 

ان موضوع الحياة بعد الموت لهو من أكثر الأمور الجديرة بالتأمل والتفكير لما له من اتصال بحاضرنا ومستقبلنا. فمهما طال بنا الأمد، فالحياة قصيرة بالنسبة للأبدية التي لا بد لنا من الاتجاه نحوها. ونحن هنا نصنع مصيرنا بأنفسنا، وكل ما نزرعه في دنيانا نحصده في آخرتنا "لأن ما يزرعه الإنسان فإياه يحصد أيضاً". فليست الحياة الحاضرة سوى أعداد لتلك المستقبلة. وان خلود الروح هو الأساس الذي بنيت عليه العقيدة المسيحية، فالإنسان تراب يفنى أما روحه فجوهر حي يبقى يسعد او يشقى.

الروح والجسد:

لقد آمن الإنسان منذ العهود القديمة بنظرية الحياة بعد الموت بالرغم مما كان يلابس هذه القضية من غموض وابهام، ولقد تكشفت الحقيقة في ضوء آيات الوحي الإلهي واسفرت عن عنايته تعالى بالانسان واهتمامه بتزويده بما يتناسب مع ادراكه حتى تم التسليم في النهاية بما اتفق عليه العهدان القديم والجديد على اعلانه وهو ان الخلود سر من الأسرار التي اعلنها الله بالطبيعة والوحي.

بعض الأمثلة لذلك: ورد في سفر التكوين ان ابراهيم اسلم روحه ومات في شيبة صالحة شيخاً وشبعان أياما وانضم إلى قومه، معناه انضمام روحه إلى أرواح آبائه وأجداده الذين ماتوا قبله وارتحلوا إلى العالم الآخر، حيث الديان العادل الذي يجازي كل انسان حسب أعماله. وكذلك اسحق اسلم روحه ومات وانضم إلى قومه. وكذلك يعقوب اسلم الروح وانضم الى قومه ويشهد التاريخ ان يعقوب لم يدفن في القبر الا بعد مدة طويلة في أرض كنعان وبعد سبعين يوماً من وفاته، مما يستدل على ان انضمام الروح إلى أرواح الآباء والأجداد كان قبل الدفن كذلك موسى وهرون أخوه. وقال صاحب سفر الجامعة أيضاً فيرجع التراب إلى الأرض كما كان وترجع الروح إلى الله الذي أعطاها، لقد ختم السيد المسيح له المجد على كلام العهد القديم بثلاث حوادث وهي الحادثة الأولى: كان لرئيس مجمع اليهود ابنة وحيدة في الثانية عشر من عمرها ماتت. فذهب المسيح إلى بيتها وامسك بيدها وناداها "قومي يا صبية، فردت روحها إليها وقامت في الحال. والحادثة الثانية: كان إبناً وحيداً لأرملة مسكينة فتحنن الرب عليها وتقدم من النعش ولمسه وقال "أيها الشاب لك أقول قم، فجلس الميت وابتدأ يتكلم، فدفعه إلى امه.

والحادثة الثالثة: مات لعازر ودفن في القبر ومضى عليه أربعة أيام حتى انتن، فأمر السيد المسيح بفتح القبر، وصرخ بصوت عظيم لعازر هلم خارجاً، فخرج الميت ويداه ورجلاه مربوطتان بأقمطة ووجهه ملفوف بمنديل.

ولقد اثبت السيد المسيح بهذه الحوادث الثلاث وجود حياة أخرى للإنسان وان بالجسد روحاً تنفصل عنه، وان هذه الروح قد تعود لتلبس الجسد ثانية لأنها باقية خالدة. وبذلك ابطل مزاعم الفلاسفة الماديين الطبيعيين.

ولا نستغرب ما ذُكر بالعهد القديم في حزقيال (37) عندما تنبأ وقال: "ايتها العظام اليابسة اسمعي كلمة الرب هأنذا ادخل فيكم روحاً فتحيون واضع عليكم عصباً واكسيكم لحماً وابسط عليكم جلداً واجعل فيكم روحاً فتحيون وتعلمون انى انا الرب". فهذا ما حصل وقاموا على اقدامهم جيش عظيم جداً جداً، اما وقت القيامة كما ذكر القديس بولس إلى أهل كورينثوس اصحاح 15 عدد 42: يزرع في فساد ويقام في عدم فساد، يزرع جسماً حيوانياً ويقام جسماً روحانياً، كما لبسنا صورة الترابي سنلبس أيضاً صورة السماوي بحيث ان لحماً ودماً لا يقدران ان يرثا ملكوت الله.

الخيرات والبلايا:

وقال ربنا المبارك أيضاً في انجيل (لوقا اصحاح 16 عدد 22) فمات المسكين وحملته الملائكة الى حضن ابراهيم. ومات الغني أيضاً ودفن، فرفع عينيه من الجحيم وهو في العذاب ورأى ابراهيم من بعيد ولعازر في حضنه. فنادى وقال يا أبي ابراهيم ارحمنى وارسل لعازر ليبل طرف اصبعه بماء ويبرد لساني لأنى معذب في اللهيب. فقال ابراهيم يا ابني اذكر انك استوفيت خيراتك في حياتك وكذلك لعازر البلايا. والآن هو يتعزى وانت تتعذب.  وفوق هذا كله بيننا وبينكم هوة عظيمة قد اثبتت حتى ان الذين يريدون العبور من ههنا اليكم لا يقدرون ولا الذين من هناك يجتازون الينا. فقال اسألك اذا يا أبتِ ان ترسله الى بيت ابي. لأن لي خمسة اخوة، حتى يشهد لهم لكيلا يأتو هم أيضاً إلى موضع العذاب هذا. قال له ابراهيم عندهم موسى والانبياء ليسمعوا منهم، فقال لا يا ابي ابراهيم، بل إذا مضى اليهم واحد من الاموات يتوبون. فقال له ان كانوا لا يسمعون من موسى والانبياء ولا ان قال واحد من الاموات يصدقون وبذلك دل على ان الأرواح لم تزل حية ولم يعتورها موت ولا فناء بعد مفارقة هذه الحياة.

وعندما قال المسيح له المجد وهو على الصليب للص المائت: "اليوم تكون معي في الفردوس". وذلك جواباً على قوله اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك". وبذلك أوضح لنا ان النفوس لا تموت بموت اجسادها. بل تبقى حية بعد انصالها عن الجسد وتدخل مكان المجد والسعادة. ولذلك قال الرسول بولس: "وأما من جهة قيامة الأموات اما قرأتم ما قيل لكم من قبل الله القائل: "أنا اله ابراهيم واله اسحق واله يعقوب".  ليس الله اله أموات بل اله احياء فمن خلال الكتاب المقدس نفهم ان أنفس الأبرار تذهب على الفور إلى المسيح. أما الأشرار فيظلون الي العقاب إلى يوم الدين. فالأبرار والأشرار يدركون نصيبهم الابدي عند الموت، غير ان ذلك النصيب لا يكون كاملاً في بعض الوجوه إلى حين القيامة والدينونة والحكم النهائي. إما الحياة الأبدية أو بالموت الأبدي. عند القيامة دخولهم بالنفس والجسد إلى السعادة السماوية. والأشرار لا يتوقعون بعد الدينونة سوى الذهاب بأجسادهم إلى الشقاء الأبدي. وثمة حقيقة أخرى وهي ان الموت خاتمة اتعاب المؤمن وبدء راحته حيث تنتهي المتاعب والأفكار والالام والأمراض، ويكف العقل عن التفكير المضني والهموم المتوالية، وتأمن الروح شر هجمات الشيطان وحروب الجسد.

فما على المؤمن الا ان يسعى بكل اجتهاد لنيل الملكوت المنتظر والسعادة الأبدية الموعود بها.

سلام الله مع جميعنا

ايلين صالح