توعية روحية

وحدانية الله في الثالوث المقدس

 

يؤمن المسيحيون باله واحد، ولسنا نريد ان نبرهن على وجود الله ووحدانيتة . فهذه ولا شك حقيقة أولية عند كل المؤمنين. فالمراد بوحدانية الله إله هو الوحيد في مقامه وطبيعته وصفاته. وهذه الوحدانية لا تمنع مطلقاً كون الله تعالى كائنا في ثلاثة أقانيم هم واحد في الجوهر، فهي ليست دلالة على الوحدانية المادية بل دلالة على التفرد فهو إله لا يوجد له نظير في الألوهية مطلقاً وله جوهر واحد لكن هذا لا يمنع كونه قائماً في ثلاثة أقانيم أي ثلاثة من الأقنومية لأنه الإله الواحد في الكون.

فالكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد يعلِّم تعليماً واحداً وهو أن الله واحد، لا إله الا هو. ويعلمنا سفر التثنية ان الله واحد فيقول: "فاعلم اليوم وردّد في قلبك ان الرب هو الإله في السماء من فوق وعلى الأرض من أسفل ليس سواه". ثم يكرر السفر الآيه الشهيرة "اسمع يا اسرائيل الرب الهنا ربٌ واحدٌ". وكثير من الآيات تكرّر وحدانية الله. كما من العهد الجديد يقول: "بالحق قلت لأن الله واحد وليس آخر سواه." ويؤكد السيد المسيح على وحدانية الله بقوله "المجد الذي من الإله الواحد لستم تطلبونه".

وقد نلاحظ ان تعليم الثالوث لم يكن معلن صراحة في العهد القديم وذلك لأن معاملات الله مع البشر والتي تتعلق بإرسالية وتجسد الرب يسوع وارسال الروح القدس لم يكن قد حان وقت اعلانها، فاكتفت الحكمة الإلهية بوضع اشارات ورموز للثالوث في اعلان الحقيقة: فالله تعالى كان يستخدم التدرج في الإعلان مكتفياً بالتلميح عن الثالوث حتى يستطيع العقل البشري ان يدرك وينضج ويتقبل نور الحق الكامل. لذلك وكما راينا كيف اعلن الله عن اسمه كيهوه بالمفرد وايلوهيم بالجمع وذلك حتى يقود الشعب في القديم إلى الفكر الكامل عن الثالوث المقدس.

وإذا انتقلنا إلى العهد الجديد نجد تعاليمه المتعلقة بالله هي نفسها التي يقدمها العهد القديم. فالله في العهد الجديد هو إله واحد حيّ، كائن روحي، قدّوس، بار، عادل، رحيم، كلي القدرة، وكلي العلم، لا يحده زمان أو مكان، وليس ثمة صفات جديدة محدّدة تُعزى إلى الله في العهد الجديد لم تكن واردة في العهد القديم. لكننا نجد أن الفكرة الإساسية عن الله الواحد في العهد الجديد هي أبوّته لنا فهي أساس كل تعليم. وهذا المفهوم عن الله الآب أو أبوّة الله ظهرت كثيراً ايضاً في تعاليم العهد القديم بمحتوى أغنى، فالله بحسب العهد القديم ليس خالق اسرائيل وحافظه فقط بل بتعامل معه كما يتعامل الأب مع ابنه. يقول سفر المزامير "كما يترأف الاب على البنين يترأف الرب على خائفيه". حتى في تأديب الرب لشعبه كان يؤدبهم كأب فيقول الكتاب "فاعلم في قلبك انه كما يؤدب الانسان ابنه قد ادبك الرب الهك". كما ان فكرة الأبوة كانت قاصرة على شعب اسرائيل. أما في العهد الجديد فهي امتدت لتشمل جميع المؤمنين حيث أصبح السيد المسيح بكراً بين اخوة اكثرين، هؤلاء الأخوة هم الذين قبلوا الرب يسوع المسيح مخلصاً في حياتهم كما يقول الكتاب "أما كل الذين قبلوه أعطاهم سلطان أن يصيروا أولاد الله اي المؤمنين باسمه. ولعلّنا ان تتبعنا حياة السيد المسيح نجد انه في أول ظهوره وهو صبّي يعلن للعذراء مريم ويوسف انه يجب ان يكون فيما لأبيه عندما قال لهما: "لماذا كنتما تطلباني ألم تعلما أنه ينبغي ان أكون فيما لأبي". ولقد أعلن مراراً في انجيل يوحنا: "انا والاب واحد"، "ومن رآني فقد رأى الآب". وفي موته على الصليب قال له: " يا ابتاه في يديك استودع روحي". وقال عند صعوده "أني أصعد إلى أبي وابيكم" ومن هذا نرى ان الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد يعلن عن اله واحد فقط لا شريك له. قويٌ قادرٌ على كل شيء، أزليٌ. أبديٌ، ملك الملوك، رب الأرباب، الألف والياء، البداية والنهاية، الخالق، القدوس، الراعي الصالح، الكامل، الحنّان، المُحب، الطويل الروح والكثير الرحمة الا ان أعظم هذه الصفات في انه الآب المحب الذي من محبته أرسل ابنه الوحيد إلى العالم ليعلن لنا من هو الله. فالله تعالى لم يره أحد قط، لكن الإبن الوحيد الذي من حضن الآب هو خبّر. وأيضاً ليموت على الصليب لننال نحن حياة أبدية لأنه حمل خطايا العالم بموته لكنه بقيامته من بين الأموات أعطانا حياة ونصرة.

 

وان استخدام الكتاب المقدس لكلمتى الآب والابن ما هي إلا ليشرح لنا بصورة ليستطيع عقلنا البشري ادراكها، العلاقة بين الله وبين كلمته الازلية اي يسوع المسيح الإله والإنسان. فهي ليست علاقة توالد كما يظن البعض فهذا يجعل الله مثل البشر في التوالد، كما ان التوالد يقتضي التتابع في الزمن وهذا يتناسى مع أزلية سبحانه وتعالى.

فالبنوة بمعناها الكتابي تشير بوضوح إلى ان الآب والابن متلازمان أزليان متحدان معاً بالروح القدس فليس هناك علاقة توالد جسدية أو محدودية زمن.

وبما ان المحبة هي جوهر الله وطبيعته بل وكيانه أيضاً، والمحبة كصفة لله أزلية كأزليته، لذلك نحن نؤمن بالثالوث، لأنه في غياب الثالوث كيف تمارس المحبة ومن هو المحبوب؟ ومن منطلق هذا الحب خلق الله الإنسان ليكون في شركة محبة وألفة كاملة معه في الفردوس.

محبة الله وسقوط الإنسان: معروف ان الله هو مصدر الحياة لذلك الانفصال عن الله هو موت، فالله خلقنا لنكون ابناؤه الملتصقين به نتمتع بنوره وحياته من خلال شركتنا واتحادنا به ولكن بسبب الخطية انفصل الانسان عن مصدر الحياة وجلب على نفسه حكم الموت. "اجرة الخطية هي موت". ولكن الله في محبته دبر لنا الفداء وذلك ان يموت بديل عن الانسان ليكفر عنه. ومن هو هذا البديل الا الذي بلا خطية وحده الابن الكلمة الذي أخذ جسداً وقدم ذاته ذبيحة على الصليب عوضاً عنا.

وهكذا صالحنا الله في المسيح يسوع الذي حمل خطايانا في جسده على خشبة الصليب، لأن الله محبة.

 

الرب يحفظ قلوبكم جميعا

 

ايلين صالح