الصليب حب ورجاء وعزاء

الصليب هو شعار المسيحية ومركزها وقلبها النابض. وهو سر تدبير الله الأزلي لخلاص الإنسان "السر المكتوم منذ الدهور" والذي به سحق رأس الحية القديمة ابليس،  وفتح لنا به طريق السماء. وقد سمى الرب يسوع الصليب "بعلامة ابن الإنسان" عندما تحدث عن علامات مجيئه الثاني وانقضاء الدهر فقال: "وللوقت بعد ضيق تلك الايام تظلم الشمس والقمر لا يعطي ضوءه والنجوم تسقط من السماء وقوات السموات تتزعزع. وحينذ تظهر علامة ابن الإنسان في السماء". (متى 30:24).

علامة الصليب

وشرح القديسان باسيليوس وكيرلس ذلك بالقول "أما العلامة التي تقاوم فيقصد بها علامة الصليب إذ يقول الحكيم بولس: ولكننا نحن نكرز بالمسيح مصلوباً لليهود عثرة ولليونانيين جهالة، واما عندنا نحن المخلصين فهي قوة الله (1كو 18:).

قال أحد الناقدين العصريين:

"ان المسيحية ديانة رائعة بتعاليمها ومعجزاتها ولا يعيبها الا شيء واحد هو الصليب. الذي لو رفع منها لصارت ديانة مثالية"! ولم يدر هذا المسكين ان المسيح لو عاش بدل الثلاثة والثلاثين سنة، ثلاثة وثلاثين الف سنة يعلم ويصنع المعجزات دون ان يصلب لهلك العالم كله ولم يستفد شيئاً. ان الصليب هو المسيحية والمسيحية هي الصليب.

قالت طفلة لأمها: كلّك جميلة يا اماه الا يديك المشوهتين. فقالت لها امها: اسمعي القصة يا ابنتي: عندما كنت حديثة الولادة في مهدك شب حريق في بيتنا واحاطت النار بسريرك وكادت تلتهمك فاقتحمت أنا النيران وانتشلتك ولكن يدي احترقتا في هذه العملية الانتحارية، وهذا سرّ تشويه يدي" وهنا بكت الطفلة وارتمت في احضان امها تقبل يديها بدموع وتقول: "كلك جميلة يا امي واجمل ما فيك هو يديك اللتين احترقتا من أجلي".

في الصليب حب وحرب

في الصليب حب ... "هكذا احب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية" (يو 16:3). هذه الآية الذهبية هي ملخص الانجيل كله يجب ان يحفظها ويتغنى بها كل مؤمن. "فليس لاحد حب اعظم من هذا ان يضع احد نفسه لأجل احبائه" (يو 13:15) علما باننا لم نكن احباء بل اعداء واشرار وفجار (رو 5) وقد حاول الرسول بولس ان يصف مقدار عظمة محبة المسيح التي ظهرت في صليبه فقال: حتى تستطيعوا ان تدركوا مع جميع القديسين ما هو العرض والطول والعمق والعلو وتعرفوا محبة المسيح الفائقة المعرفة (أف 18:3). حقاً انها فائقة المعرفة والادراك. طول وعرض ذراعي الصليب يكفيان لاحتضان جميع البشر في كل الأجيال، وعلوه يصل إلى السماء التي جاء منها المصلوب وأما عمقه فيمثل النزول الى الجحيم ليفتدي وينقذ الأرواح التي كانت في الهاوية تحت سلطان الشيطان. ولذلك نقول في القداس انه نزل إلى الجحيم من قبل الصليب". ويظهر هذا الحب في قوله بروح النبوة "هوذا على كفي نقشتك" (اش 16:49) لقد نقش الرب يسوع أسماءنا على كفيه بمسامير الصليب.

يعتقد البعض ان الصليب هو رمز السلام والحب والتضحية فقط، في حين انه يشير ايضاً الى الحرب الروحية ضد مملكة ابليس: وهذا ما عناه الرب يسوع بقوله: "ما جئت لألقي سلاماً بل سيفا" (مت 34:10) انه لا يقصد طبعاً الحرب بالمفهوم الحرفي التي تبيح القتل. لانه رد على تلميذه بطرس عندما اراد استعمال السيف مرة في الدفاع عنه: "ردّ سيفك الى مكانه لان كل الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون" (مت 52:26). ولكنه قصد السيف بالمفهوم الروحي والرمزي اي الحرب الروحية.

في الصليب بر...لقد ظهر بر الله الكامل في صليب المسيح حيث دفع أجرة خطايانا ومات بها عنا وبادلنا مكانه فاعطانا بره وهكذا بررنا بدمه اي جعلنا ابراراً في شخصه.

وفي الصليب مرّ ... لقد قدم المرّ للمسيح ضمن هدايا ميلاده. وقال سمعان الشيخ لأمه العذراء "يجوز في نفسك سيف" ولم يمكن ان تعبر كأس المر عن الفادي بل شربها كاملة واحتمل مرارة خطايانا ومرارة عقوبتها كما هو مكتوب" الذي حمل نفسه قصاص خطايانا في جسده على الخشبة (ابط 24:2) وقصاص خطايانا هو الجحيم الذي اكتوى به المسيح بدلاً منا على الصليب.

المصالحة والرجاء

في الصليب مصالحة: ان الله كان في المسيح مصالحاً العالم لنفسه غير حاسب لهم خطاياهم (كو 19:5) وتبدأ الكنيسة القداس الإلهي بصلاة الصلح وبالقبلة الرسولية عملاً بوصية السيد "اذهب اولاً اصطلح مع اخيك وحينئذ تعال وقدم قربانك" (مت 23:5).

وفي الصليب مسامحة: فكانت أول كلمات يسوع المصلوب على الصليب هي "يا ابتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون" (لو 34:23).

في الصليب شفاء ودواء عندما تذمر الشعب قديما على طعام المن السماوي وقالوا "كرهت انفسنا هذا الطعام السخيف" عاقبهم الله بتسليط الحيات السامة للمحرقة التي لدغت عدداً ضخماً منهم فماتوا، وكان العلاج الإلهي للخلاص والشفاء لكل من لدغته حية هو النظر الى الحية النحاسية التي كانت تشير الى الصليب حسب تفسير رب المجد نفسه "وكما رفع موسى الحية في البرية هكذا ينبغي ان يرفع ابن الانسان على الصليب لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية (يو 14:3 عد 21، 1 كو 10: 9 ، 10).

وفي الصليب عزاء ورجاء عندما لم يستطع الشعب الشرب من مياه مارة المرّة كان العلاج في الشجرة الخضراء التي ترمز للصليب والتي بالقائها في المياه المرّة ذهبت مرارتها وتحولت الى مياه عذبة (خر 22:15). ولذلك تعزي الكنيسة ابناءها عند انتقال احد المؤمنين بصلاة اليوم الثالث تطبيقاً لهذا الرمز الجميل بالصلاة على ماء ونبات اخضر لتذكيرهم بالصليب وقيامة الرب في اليوم الثالث وحدوث هذه المعجزة في اليوم الثالث للخروج، وان مرارة الموت قد تحولت لعذوبة القيامة والانطلاق للفردوس فتحولت لنا العقوبة خلاصاً وابتلع الموت الى غلبة. وهكذا صار لنا الصليب مفتاحاً للرجاء وللسماء.

 

الصليب وأهميته في حياتنا المسيحية

الكنيسة الرسولية تعلم ابناؤها المؤمنين ان يرشموا علامة الصليب على ذواتهم عند بدء الصلوات وفي ختامها، عند النوم وحال اليقظة، في دخولهم الي بيوتهم وخروجهم منها، في اكلهم وشربهم، عند بدء كل عمل، وعند ارتداء الملابس ذلك لأن علامة الصليب هي جزء من حياتهم اليومية. وايضاً يرشمون علامة الصليب ليبرهنوا على تبعيتهم للسيد المسيح المصلوب.

ثانياً: اعلاناً لايمانهم المسيحي، وافتخاراً بصليب ربنا يسوع المسيح، الذي به تم فداؤنا وخلاصنا وانفصالنا عن العالم كما قال الرسول بولس في (غل 14:6) "أما أنا فحاشا لي أن افتخر الاّ بصليب ربنا يسوع المسيح الذي به صلب العالم لي، وأنا صلبت للعالم".

ثالثاً: جميع بركات العهد الجديد كانت بفضل الصليب (أع 28:20).

رابعاً: المؤمنون قد اشتروا بدم ثمين.

خامساً: للإستفادة روحياً من الصليب مثل طرد قوات الشر المحيطة بنا والشياطين، لأنه بالصليب هزم المسيح الشيطان وسحق رأس الحية. وأيضاً من فوائد علامة الصليب انها تشجع المؤمنون في مواجهة الصعاب والتجارب. كما يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: "ان علامة الصليب منذ أيام أسلافنا وحتى الآن فتحت الأبواب المغلقة، وأبطلت مفعول السمّ، وشفت عضّة الحيوانات السامة".

وفي قصة استشهاد الشهيد مار جرجس: استعان الملك دقلديانوس بساحر، وجهز لمار جرجس مشروبين في كأسين: الكأس الأول أقل قوة من الثانية، بحيث لو شرب الكأس الأول وأظهر خضوعاً، والا ليشرب الكأس الثانية وبها سمّ قاتل ... لكن مار جرجس شرب الكأس الأول بعد أن رشم عليها علامة الصليب بيده، فقالوا له هذه العلامة ليست سوى السحر بعينه. فربطوا يديه خلف ظهره، وقدموا له كأس السمّ الثانية ليشربها. أما هو فقال لهم مشيراً برأسه أتريدون ان اشربها من هنا أم من هنا ام من هنا ام من هنا؟ وكان بذلك يرشم علامة الصليب برأسه دون ان يفطنوا لذلك. ثم شربها فلم يقتله السم فآمن الساحر.

وان علامة الصليب تستخدم لتطهير الأماكن ولتقديس الكنائس والبيوت والطعام والشراب وغيرها.

 

أما عن الأصابع التي يرشم بها: الأصبع الواحد يمثل الله الواحد والثلاثة أصابع تمثل الثالوث القدوس، أما الخمسة أصابع فتمثل جراحات المسيح الخمسة على الصليب.

 

الصليب ومبنى الكنيسة: تبنى الكنائس إما على شكل صليب أو شكل دائرة أو شكل سفينة.

1. على شكل صليب تعبيراً عن طبيعة الكنيسة السّرية كجسد المسيح المصلوب.

2. على شكل دائرة تعبيراً عن طبيعة الكنيسة الأبدية لأن الدائرة لا بداية لها ولا نهاية.

3. على شكل سفينة تذكاراً بفلك نوح والخلاص من الطوفان، لأن الفلك كان سبباً في نجاة كل من دخله فإيماننا انه لا خلاص خارج الكنيسة لأن الكنيسة هي التي تقدم المسيح وتعاليمه الصحيحة المحيية والأسرار المقدسة والرعاية الصالحة. وان المنارة خارج الكنيسة لأن الصليب اعلاها يشير إلى العلم الإلهي الذي يظهر خضوع الكنيسة بمن فيها للرب يسوع المسيح المصلوب كما يشير الصليب إلى مجيء المسيح الثاني للدينونة، لأنه مكتوب "وحينذٍ تظهر علامة ابن الإنسان في السماء، وحينئذٍ تنوح جميع قبائل الأرض، ويبصرون ابن الإنسان آتياً على سحاب السماء بقوة ومجد كبير" (متى 30:24) وكأن الصليب على المنارة يدعو الشعب للإستعداد للقاء الرب وليوم الدينونة، فهو شعار المسيحية وهو الذي يميز الكنيسة عن أي مبنى آخر.

 

اختكم بالرب

ايلين صالح