توعية روحية

بقلم: ايلين قبطي صالح

إلهُ حقيقي وانسانُ حقيقي


في ملىء الزمان، يوم صارت البشرية مستعدة لتقبل مجد الله والإشعاع بسناه، ارتضى ابن الله، أي الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس خالق الكون والمحب البشر، ان ينزل من السماء ويأخذ صورة بشر في احشاء فتاة من بني البشر، بحسب قول بولس الرسول: "لما بلغ ملء الزمان، أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة، مولوداً تحت الناموس" (غلاطية 4:4).

ابن الله، الإله من الإله، والنور من النور، اتخذ طبيعتنا البشرية بملء حقيقتها، فصار جنيناً، ونما وترعرع كما ينمو ويترعرع كل كائن بشري. الخالق صار خليقة، الذي لا نهاية له وسع في الحشا، الكلمة صار جسداً، كما جاء في انجيل يوحنا (14:1).
سنة 451، حدد المجمع المسكوني الرابع الملتئم في خلقيدونية حقيقة التجسد في نص يتسم بعظمة الفكر ودقة التعبير، لقد ترك لنا آباء المجمع الخلقيدوني تصريحاً هو في آن واحد نشيد لله واعلان لكرامة الجنس البشري: "نعلم ان ابن الله الوحيد ربنا يسوع المسيح، واحد هو: إذ انه هو نفسه اله حق اي إنه في ألوهيته من ذات جوهر الآب وهو نفسه انسان حق، اي انه في بشريته من جوهرنا البشري له طبيعتين (طبيعة الهية وطبيعة انسانية) دون اختلاط ولا تحوّل ولا انقسام ولا انفصال.
ان اتحاد الطبيعتين لم يزيل ولم يلغى بأي شكل من الأشكال ما فيهما من تباين، بل كل واحدة منهما حفظت خصائصها وميزاتها، لدى اتخاذها بالأخرى في الشخص الواحد، الرب الواحد، يسوع المسيح ابن الله الوحيد الذي هو نفسه الله الكلمة.
لقد اعلن آباء المجمع المسكوني امرين هامين: الأمر الأول هو ان اتحاد الله بالجسد البشري هو اتحاد حقيقي في صلب الطبيعة، به اتحدت طبيعة الله بطبيعتنا البشرية، والأمر الثاني هو ان هذا الاتحاد بين الألوهية هو اتحاد من نوع خاص، بحيث لا تسيطر طبيعة على اخرى ولا تغيرها. فالطبيعة الإلهية تبقى الهية، والطبيعة البشرية تظل بشرية، ومع ذلك فالاتحاد هو في تمام الكمال. فالمسيح هو معاً اله تام وانسان تام، وهذا الاتحاد الخاص بين الألوهية والبشرية يجعل ما هو بشري يصير بنعمة من الله، ما الله عليه بالطبيعة.
الأمر الأول يؤكده القديس بولس بقوله "في المسيح يحلّ كل ملىء اللاهوت جسدياً. (كو 9:2).
لا تغيير في طبيعة المسيح الإلهية ولا صيرورة، لا انتقال للطبيعة من نوع إلى اخر. فان شخص "كلمة" الله، الاقنوم الثاني من الثالوث الأقدس، باتخاذه الطبيعة البشرية، بقي الهاً كما كان منذ الأزل وكما سيبقى الى الأبد. ولكن في الوقت نفسه كان في جسد حقيقي وصار شريكاً لنا في اختباراتنا البشرية. لذلك يمكننا القول حقاً ان الله تجسد، وان الله ولد وعطش وجاع، وان الله تألم ومات وقام، وان الله صعد إلى السموات. لنسمع غريغوريوس النزينزي ينشد للإنسان الحقيقي والإله الحقيقي الحاضرين كليهما في تجسد المسيح:
"انه قد ولد، ولكنه كان من قبل مولوداً".

"ولد من عذراء لكنه حفظها عذراء".
"لُف بأقمطة، الا انه رمى أكفان القبر لما قام من بين الأموات".
"وضع في مذود، غير ان الملائكة مجّدته، والنجم اعلن عنه والمجوس سجدوا له".
"لم يكن له صورة بهاء في اعين شعبه ومع ذلك فقد رأى فيه النبي داود اجمل بني البشر".

"على جبل التجلي كان لامعاً كالبرق، وصار وجهه مضيئاً اكثر من الشمس، فأدخلنا في نور أسرار ما سوف يأتي".

"تقبّل المعمودية لكونه انساناً، الا انه غفر الخطايا لكونه إلهاً."

"جرّب لكونه انساناً، غير انه انتصر لكونه إلهاً."

"قاس الجوع، لكنه اطعم الآلاف."

"عرف ما العطش، لكنه نادى: أن عطش أحد فليأت إلي ويشرب".

"اختبر التعب، الا انه سلام المتعبين". انه يصلي لكنه يستمع للصلاة".

"انه يبكي، لكنه هو الذي يضع حداً للدموع".

"يسأل اين وضع لعازر الميت، لكونه إنساناً، لكنه يقيم لعازر من الموت، لكونه إلهاً.

"كشاة سيق إلى الذبح، غير انه هو راعي العالمين".

"سُحق وجُرح، لكنه هو الذي يشفي الأمراض والجراح".

"رُفع وسُمر على عود، لكنه هو الذي بعود الصليب يحيينا".

"وضع حياته، لكن له سلطاناً ان يسترجعها".

"انه يموت، وبموته يبيد الموت ويمنح الحياة".

إن الطريقة التي ظهر فيها الله يدعوها بولس الرسول "إخلاء" فابن الله قد أخلى ذاته، آخذاً صورة عبد (في 7:2) أي انه افرغها من كل علامات المجد المرتبطة بألوهيته. لم يتخلّى عن ألوهيته، بل ستر ما فيها من سمات المجد، وصار خاضعاً، ليس لما في الطبيعة البشرية عامة من حدود وحسب، بل أيضاً لحدود التاريخ الذي اتى فيه، والعِرق الذي أخذ منه جسداً.

الأزلي خضع للزمن، ومعطي الناموس خضع لناموس موسى، إذ وُلد من امرأة، ولد تحت الناموس (غلاطية 4:4). بقي الله إلهاً كما كان، وتشربت بشريتنا الألوهية. لذلك يجوز لنا القول: "انه ما من أمر بشري يمكن ان يكون غريباً عن المسيح، الذي هو الإله الإنسان أو بالحري الإله الصائر انساناً.

حكاية التجسد كما رواها الإنجيل المقدس:

في الشهر السادس، أرسل الملاك جبرائيل من قبل الله، إلى مدينة في الجليل تسمى الناصرة، إلى عذراء مخطوبة لرجل اسمه يوسف، واسم العذراء مريم. فلما دخل الملاك إليها، قال لها:

"السلام عليك، يا ممتلئة نعمة، الرب معك".

فاضطربت مريم لهذا الكلام، وجعلت تفكر ما عسى ان يكون هذا السلام. فقال لها الملاك:

"لا تخافي يا مريم، فلقد نلت حظوةً عند الله. وها انت تحبلين، وتلدين ابنا، وتسمينه يسوع. إنه يكون عظيماً، وابن العلي يُدعى، وسيعطيه الرب الإله عرش داود ابيه، ويملك على بيت يعقوب إلى الدهر، ولن يكون لملكه انقضاءً.

فقالت مريم للملاك: "كيف يكون ذلك، وانا لا اعرف رجلاً؟".

فأجاب الملاك وقال لها: "الروح القدس يحل عليك، وقدرة العلي تظللك، ومن أجل ذلك، فالقدوس الذي يولد منك يُدعى ابن الله. وها ان اليصابات نسيبتك قد حبلت، هي أيضاً، بإبن في شيخوختها، وهذا الشهر هو السادس لتلك التي تُدعى عاقراً، إذ ليس من أمر يستحيل على الله".

فقالت مريم:

"أنا امة الرب، فليكن لي بحسب قولك".

وانصرف الملاك من عندها. (لوقا 1: 26ـ38).

والكلمة صار جسداً وسكن في ما بيننا. (يوحنا 14:1) ابن الله وكلمته، الإله من الإله، صار بشخصه انساناً، واتخذ هو نفسه في شخصه الإلهي، الجوانب المتعددة المرتبطة بحياة الإنسان. ان من لا زمن له دخل في الزمن، وتاريخ البشر صار به تاريخ الله.

تحتفل الليتروجية بهذا الحدث الإلهي في كل أبعاده، فالسماء تفتح نافذة على الأرض، والناصرة تصير مقرّ السرّ الذي لا يدركه الملائكة أنفسهم، إذ كيف يتحد الله بخليقته، وكيف يمكن فتاة من بني البشر ان تحبل دون مباشرة الرجل.

لدى العالم كله اسئلة لا يمكن عقلنا البشري الإجابة عنها، كما لا يمكن الإجابة عن معجزة الخليقة الأولى، إذ كيف صنع الله الخليقة كلها من العدم. ولكن تلك المعجزات هي في الله نغم كان ينشده في خلايا قلبه منذ الأزل. من التراب صنع الله آدم الأول، والآن من جسد فتاة يصنع آدم الثاني. المرأة الأولى تكونت من ضلع آدم والآن من كيان امرأة يتكون آدم الثاني الذي هو اله من اله.

نطلب من الله عز وجل ان يعطينا إدراك روحي لكي نستطيع ان نتفهّم هذا السر العميق.

 الصمت والسجود وحدها يليقان بعظمة سرّ التجسد.

يبارككم الله ويقدسكم