بتولية العذراء

 

ان ما ذكر بالكتاب المقدس عن القديسة مريم العذراء نسبياً قليل جداً، مع انها اعظم القديسين واعظم الملائكة والسمائيين، ذُكر عنها وقت ميلاد يسوع المخلص، ووقت الهروب إلى مصر، وعندما يسوع كان عمره 12 سنة وتاه عن والديه ووجدوه في الهيكل، ووقت عرس قانا الجليل عندما قالت للمسيح ليس لهم خمر وثم عند الصليب عندما كانت واقفة وتتأمل ابنها المصلوب. فعلى قدر ما هو قليل ذُكر عنها على قدر ما الخلافات في مفهومنا عن العذراء سببت انقسامات في الكنيسة وافكار متضاربة مع بعضها بين الطوائف المسيحية فمنهم من يرفعها إلى مستوى مساوي للمسيح ومنهم من ينزل مستواها إلى انسان عادي. فنحن نقول انها دائمة البتولية. ويجب ان نعلم لماذا لم يذكر لنا الكتاب المقدس أكثر مما ذكر فاننا نؤمن في الكتاب المقدس، والتقليد خبرة الكنيسة التي عاشت من جيل إلى جيل التقليد المقدس. لكن يجب ان نعلم ان الأمور المقدسة كانت تُعاش في القديم لكن لا يتكلموا بها كثيراً لأنها ليست مجال حوار او جدل أي ان الأمور المقدسة كان يقرب إليها الانسان في منتهى الرهبة والاحترام والوقار. فيجب علينا ان نعرف ان العذراء أم الله أم يسوع وان العذراء سرّ وكل شيء بالكنيسة، نسميه سرّ ملكوت السموات. قال المسيح:" كنز مخفي في حقل وجده انسان خبئه ومن فرحه مضى وباع كل ما له واشترى هذا الحقل الذي فيه الكنز المخفي: حتى يفضل هذا الكنز مصان ومحفوظ.

ويجب ان نعلم ان الكلام عن العذراء بطريق مباشر او غير مباشر يربطنا بالمسيح ويكلمنا عن المسيح. ونحن نؤمن ان العذراء والدة الإله لأننا نؤمن ان المسيح هو الله وذلك يؤكد ايماننا بلاهوت المسيح. فإن ابن الله المولود من الآب قبل كل الدهور قد حل في بطن العذراء وأخذ ناسوته منها وولد منها إله متأنس شخص واحد وصار انساناً. كما اعطاها لنا أما وهو على الصليب عندما قال ليوحنا هوذا أمك أي أصبحت ام الكنيسة كلها. فالعذراء ام المسيح وهي ام لي المعنى انا والمسيح أصبحنا أخوة وهو البكر كما قال بولس الرسول: "صار بكراً بين أخوة كثيرين". وأيضاً لو قطعنا كلمة شفاعة العذراء وقلنا انها لم تشفع المعنى قطعتني أنا والمسيح، فصلت بيني وبين المسيح، وإذا العذراء ليست أمي يبقى انا والمسيح نفكينا عن بعض، فعندما اتكلم عن العذراء أأكد ايماني بالمسيح الذي أخذ ناسوتي وعاش به وصعد به كبكر إلى الملكوت وجلس عن يمين الآب ليس من أجل ان يأخذ الكرامة والمجد بل لأجل ان يأخذني معه ويجلسني معه، البكر في صعوده الذي انا انتظره واترجى اليوم الذي أنا أيضا أصعد وأجلس مع المسيح عن يمين الآب حتى يكتمل الجسد، يبقى المسيح الراس ونحن الجسد.

جيد أن نتكلم عن تواضع العذراء والسلام التي كانت تعيش فيه والضيق وقت الصليب لأبنها والأمور الروحية التي فيها لكن يجب ان نعلم ان الأمور الروحية لا تنفصل عن الأمور اللاهوتية. وان أردنا ان ننظر إلى فضائل العذراء وصفاتها فقط، نكون نحن ناقصين نكون نزلناها لمستوى قديسين آخرين بنفس الصفات، لكن العذراء كانت أكثر من ذلك بحيث انها توصلني للمسيح ابنها، فلا نستطيع ان نقلل من شأن العذراء ولا نزيد عن صفاتها، كذلك الأمر في كل شيء لا الزيادة ولا النقصان لذلك نسمي الإيمان الأرثوذكسي أيمان مستقيم.

بالنسبة إلى دائمة البتولية، ان الإنجيل لم يذكر العذراء لن تتزوج وبقيت بتول لآخر أيامها بعد ولادة المسيح، لكن نترك هذا الشيء للذهن الروحي.

كلنا نعرف تعريف السماء هي مكان وجود الله ونسمي الكنيسة رمز للسماء ونسمي العذراء السماء الثانية الجسدانية لأن المسيح حل فيها أي الله حل فيها، هذا تعريف السماء مكان وجود الله. إذا كانوا في القيامة لا يزوجون ولا يتزوجون بل يكونون كملائكة الله في السماء، يبقى العذراء التي هي السماء الثانية التي حل فيها المسيح ممكن تكون تزوجت؟ طبعاً لا هذا مثل. وإذا نعود إلى العهد القديم في حزقيال النبي حيث قال بالنبوة "ثم ارجعني الروح إلى طريق باب المقدس الخارجي، الباب المتجه للشرق وهو مغلق وقال لي الرب هذا الباب يكون مغلقاً لا يفتح ولا يدخل منه انسان لأن الرب اله اسرائيل دخل منه فيكون مغلقاً". حزقيال اصحاح 44. فهذا رمز للعذراء التي كان قلبها دائماً متجه نحو الشرق اي نحو الله.

وإذا أردنا ان نتكلم عن خيمة الاجتماع بالعهد القديم، عندما خرج شعب اسرائيل من أرض مصر وتاهو في برية سيناء، فكانوا يقيموا في خيام يمكثوا فترة من الزمن ثم يأخذوا خيامهم وينتقلوا إلى مكان آخر فينصبوا الخيام وهكذا كالبدو الرحَّل، ثم قال الله لموسى النبي "اعمل لي خيمة وسميها خيمة الاجتماع لكي يشعر الشعب أني في وسطهم". وأعطاه المقاسات والنظام والأوصاف وكثير من الأوصاف تنطبق على العذراء. فالخيمة هذه بها قدس أقداس أي مكان حلول الله. طبعاً في العهد الجديد مكان حلول الله هو بطن العذراء. وفي العهد القديم قال ربنا لموسى النبي "هذا قدس أقداس لا يدخله انسان الا واحد هو رئيس الكهنة وما يدخله الاّ يكون حامل دم الذبيحة وما يدخله الا مرّة واحدة في السنة في عيد الكفارة. فرئيس الكهنة يرمز إلى المسيح ودم الذبيحة يرمز إلى ذبيحة المسيح مرة ولا تتكرر، وإذا تجاسر أحد آخر يدخل قدس الأقداس يموت فوراً. ففي العهد القديم عندما يدخل رئيس الكهنة قدس الأقداس مرة في السنة كانوا بربطوه بحبل لألاّ إذا مات لا أحد يستطيع أن يدخل ليخرجه. فكان ينضح دم الذبيحة على تابوت العهد ويقدم الصلوات المطلوبة.

فقدس الأقداس في العهد الجديد الذي حل فيه المسيح رئيس الكهنة صاحب الدم مرة واحدة بعد ذلك يتجرأ أحد آخر أن يدخله؟ هذا غير ممكن. فمن غير الممكن ان قداسة العذراء التي حلَّ فيها ابن الله، ومكث في بطنها تسعة أشهر تكون أقل من قداسة خيمة الإجتماع الذي ربنا لم يسمح إلا لرئيس الكهنة بالشروط التي ذكرناها.

نموذج آخر: البحر الأحمر، اسرائيل والكنيسة والعذراء كلهم مشبوكين ببعض، اسرائيل هي شعب الله والعذراء للعهد الجديد هي الكنيسة. يقولون اباؤنا الأبرار ان البحر الأحمر مثل بطن العذراء التي منها طلع الخلاص ولما تجاسر فرعون ان يدخل وراء شعب اسرائيل في البحر مات هو وكل جنوده فشعب اسرائيل كان يرمز للمسيح من حيث الخلاص.

وبالنسبة للشفاعة عندما موسى النبي بسفر العدد اصحاح 14 قال للرب: "اصفح عن هذا الشعب لعظمة نعمتك" جاوبه الرب "قد صفحت حسب قولك".

جميع القديسين يشفعون بنا وأعظمهم مريم العذراء البتول لأنهم من لحمه وعظامه فعندما يقف السيد المسيح أمام الآب ليشفع فينا كل القديسين يشفعوا معه اولهم العذراء.

لألهنا نعطي كل المجد والكرامة،

 

اختكم بالرب

ايلين صالح