قصة حياة القديسة مريم العذراء

ومن هم أخوة يسوع؟

توعية روحية    

بقلم: ايلين قبطي صالح

    من خلال قراءة خاطفة للدفاتر المريمية، استوقفتني قصة سيدتنا مريم العذراء البتول وهي السيدة الأولى سفيرة السماء على الأرض. انها والدة يسوع المخلص الفائقة القداسة ولدت من أبوين هرمين عاقرين في مدينة الناصرة.

فيواكيم الصديق القديس نشأ من سبط يهوذا من نسل الملك داود.

    وأما حنّة فهي ابنة الكاهن متان من قبيلة هارون، وكان لها أختان هما مريم وزوبا. تزوجت مريم في بيت لحم وفيها ولدت صالومي. وتزوجت الثانية أي زوبا فيها وولدت اليصابات ام يوحنا المعمدان وتزوجت اختها حنّة في الناصرة، ولنقاء سيرة هذين الزوجين يواكيم وحنّة وقداستهما واحسانهما استحقا أن يكونا أبوي والدة الإله الإنسان يسوع التي هي أقدس من جميع القديسين وأطهر من الشاروبيم، فقد كانا بارين أمام الله، نقيّان القلب محافظين على وصاياه. ومضى على زواجهما خمسون سنة فطعنا كلاهما في شيخوخة مسنّة ولم يلدا. وكانت حياتهما طافحة بالمحبة لله والشفقة على القريب، إلا ان العقر كان يفعم قلبيهما ابتئاساً وحزناً، والعقر باعتبار ذلك الزمان كان عاراً. لكنهما استمرا يعيشان في الصوم والصلاة والإحسان والأمل ان الله قادر ان يمنحهما ولداً كما بارك ابراهيم وسارة فرزقهما طفلاً في شيخوخة متقدمة.

    وكان من عاداتهما ان يزورا أورشليم في الأعياد العظيمة وكانوا الكهنة يرفضونه ان يقدم قرابينه إلى الهيكل، فثقل على يواكيم ان يسمع هذه الملامات وخجل وهام على وجهه إلى البرية مغتماً يبكي العقم والعار. هناك بكى الشيخ البار وصام وصلى أربعين نهاراً وأربعين ليلة للدعاء إلى الله ليرفع عنه العار. وفي الوقت نفسه عرفت حنّة باهانة رجلها وبأنه هجرها إلى البرية. فجلست تبكي تحت شجرة الغار وتصلي بإيمان لا يتزعزع ليجعل الرب القادر على كل شيء أن يزيل العار عنهما.

    فظهر فجأة ملاك الرب وقال لها: "يا حنّة ان صلاتك سمعت وتنهداتك اخترقت السحاب ودموعك بلغت عرش الرب. فأنت ستحبلين وتلدين ابنة فائقة البركات ولأجلها تتبارك قبائل الأرض كلها، وبها يمنح الخلاص للعالم كله أجمع فلتسمّ مريم". فسجدت حنّة للرب وهتفت وهي ممتلئة فرحاً: "إذا رزقت إبنة نذرتها لخدمة الرب." وأمر الملاك حنّة بان تذهب إلى أورشليم بعد أن تنبأ لها بأنها تلتقي زوجها عند الباب الذهبي.

    في الوقت عينه ظهر ملاك الرب ليواكيم الصديق وهو واقف في البرية يصلي وقال له: "يا يواكيم ان الله سمع لصلاتك فستحبل امرأتك حنّة وتلد لك ابنة يحبو ميلادها العالم كله بالسرور، فاذهب إلى الباب الذهبي في أورشليم لتقابل زوجتك التي بشّرتها أنا بهذا". فلما التقيا قدّما قربان حمد في هيكل الله وعادا إلى بيتهما وإيمانهما وطيد بانهما ينالان ما وعدهما الرب به. فحبلت حنّة وولدت مريم الفائقة النقاء والبركات التي فرحت بميلادها السماء والأرض. واعتنيا الأبوان القديسان بتربية طفلتهما بكل ورع وبعد ثلاث سنوات أدخلوها إلى الهيكل تقدمة منذورة لله. وتوفي أبوها بعد أعوام قليلة، فهاجرت أمها الأرملة من الناصرة إلى أورشليم حيث سكنت قرب ابنتها الفائقة البركات وتوفت بعد سنتين.

لم ترد في الإنجيل رواية ميلاد العذراء مريم وانما حفظت عنه تواثر وذكرت في مؤلفات القديس ابيفانوس اسقف قبرص ومؤلفات المغبوط ايرونيموس وغيرهما.

    لما كانت الإبنة في سن صباها صانها الكهنة في الهيكل كصموئيل، ولكن عندما بلغت أخذوا يتشاورون فيما بينهم في كيفية تصرفهم معها بدون أن يغضبوا الله. لأنها كانت تختلف عن باقي الفتيات. حيث كانت الملائكة تتعامل معها. فحينذ تردى رئيس الكهنة بالحلل المقدسة ودخل إلى ما وراء الحجاب يصلي ليؤهل ان يسمع مشيئة الله. فظهر له ملاك وقال:

"يا زكريا! اجمع من فقدوا نساءهم من قبيلة يهوذا من بيت داود، وليحضروا عصيهم معهم"، فالذي يظهر له الرب آية فإلى ذلك سلّم العذراء ليصون بتوليتها" فأمروا يومئذ بصوت من الرب بأن يضعوا عصيهم على المذبح ويسلموا العذراء إلى من تزهر عصاه منهم. فاختار منهم رئيس الكهنة زخريا أبو يوحنا المعمدان إثني عشر رجلاً من الأتقياء الطاعنين في السن ولا نساء لهم ووضع عصيهم على المذبح ليلاً مصلياً على مسمع الجمهور وقائلاً: "اظهر يا رب الرجل المستحق لأن يخطب العذراء". وتركت العصي الليل كله على المذبح. وفي الصباح دخل رئيس الكهنة والكهنة والإثنى عشر رجلاً إلى الهيكل فرؤا ان عصا يوسف قد أزهرت وان حمامة طارت من العُلى ووقفت عليها، فتحققوا حينئذ ان مشيئة الله انما هي في أن يعهد بالعذراء مريم إلى يوسف ليحفظها أبداً عذراء.

    وكان يوسف نسيب العذراء مريم وقد بلغ الهرم إذ كان عمره في ذلك الحين فوق الثمانين سنة وعاش زمناً طويلاً أرمل بعد وفاة امرأته صالومي التي رزق منها ستة أولاد أربعة أبناء بلغوا وهم يعقوب ويوسي وشمعون ويهوذا، وابنتان هما مريم وصالومي.

إن أولاد يوسف الخطيب يدعون اخوة الرب يسوع المسيح واختيه.

    وأن يوسف قد خضع لمشيئة الله وخطبت له العذراء مريم أي عهد إليه بها لصيانة بتوليتها وخدمة السر المكتوم عن إدراك الناس منذ الأزل، لا للزواج، فالنجار يوسف كان أفضل رجل في قومه وآمنت مريم بأن الله يعطيها به أباً ومحامياً وحفيظاً لحياتها البتولية.

فعاشت في بيت خطيبها الصديق كما عاشت في قدس الأقداس في التأملات والصلوات ومطالعة الكتب المقدسة والأشغال اليدوية فكان لها ذلك البيت هيكلاً لم تكن تغادره أبداً.

    وبحسب رواية الإنجيل ظهر رئيس الملائكة جبرائيل للعذراء مريم في ذلك الوقت عندما كانت تعيش في الناصرة عند خطيبها يوسف وبينما هي تُصلي وقف فجأة أمامها كأنه مجاوب على أفكارها: "إفرحي يا منعماً عليها الرب معك مباركة أنت بين النساء. وشهد القديس آفوديوس انه في الشهر الرابع إقامتها في بيت يوسف بلغت الساعة العظيمة ساعة تجسد الإله الكلمة، الساعة التي انتظرها العالم كله قروناً عديدة، الساعة التي وجب ان يبتدىء فيها عمل خلاصنا. ان هذا الشهر كان السادس من الحبل بيوحنا السابق وذلك الملاك نفسه الذي بشر زخريا بحبل اليصابات بيوحنا. وكان اليهود يذكرون الجليل باحتقار شديد فيقولون: ألعل المسيح يأتي من الجليل؟

وكانت الناصرة أيضاً أصغر وأحقر مدينة في الجليل وكانوا الأمم يقولون هل يمكن من الناصرة ان يخرج شيء صالح؟ ولكن استحسان الله عجيب! فان الرب لم يرتضي ان يختار والدته الفائقة القداسة والنقاء في جهة بديعة من اليهودية ولا من مدينة أورشليم العظيمة المجيدة، بل من جهة الجليل الخاطئة في الناصرة الصغيرة الحقيرة ليدل على انه لم يأتي ليدعوا الصديقين إلى التوبة بل الخاطئين. ولينشىء له من الأمم الغير المؤمنين كنيسة أمينة وذلك أظهر جلياً أيضاً انه يعطف ويهتم بالمتواضعين.

فإن مغارة بيت لحم كانت الدير الأول في النصرانية لنزلائه الثلاثة يوسف الصديق، ومريم العذراء، ويسوع المخلص.

إن حوادث العهد القديم تمثل ظل اشخاص العهد الجديد وحوادثه، وموضوعها في الغالب مخلص العالم ربنا يسوع المسيح المولود من العذراء الفائقة القداسة.

    ان العذراء مريم التي ارتضى الله الكلمة ان يتجسد منها، انها فائقة النقاء وهي الفردوس الحي احرزت في ذاتها (شجرة الحياة المغروس فيها بالمشيئة الإلهية إذ حملته في أحشائها وولدته). وبه أولت الناس الخلاص من الموت الأبدي ومنحتهم الحياة الخالدة. هذا ما أكده الرب يسوع المسيح بقوله "من يأكل جسدي ويشرب دمي فله الحياة الأبدية وأنا أقيمه في اليوم الآخر."

إن حواء الخاطئة أنشأت الجنس البشري على الأرض بالالام وللآلام، فبسقوطها في الخطيئة أدخل الموت إلى العالم وطرد الإنسان من الفردوس.

    أما مريم العذراء الفائقة القداسة فقد ولدت الإله الإنسان معيدة للناس الغبطة الخالدة والسعادة الدائمة.

لتكن شفاعة قديستنا والدة الإله أم النور مع جميع المؤمنين